عفيف الدين التلمساني

132

شرح مواقف النفري

من أهل الآخرة فلذلك يتلقاهم ملائكة الآخرة تلقي الأهل للغائب فلو لم يكونوا من أهل الآخرة لما شبههم بالنسبة إلى أهل الآخرة بالغائب عن أهله وقد أذنهم بقدومه ففرحوا واستبشروا به فرح الأهل بالأهل . فحصل من هذا أن لكل أحد غاية تخصه لا يتجاوزها . فإن قلت هذا الموقف هو موقف الأعمال ، ولم أره قد ذكر في هذا التنزل عملا فالجواب ذكر ذلك ضمنا وهو كونه جعل هذا السالك ممن أعرض عن الدنيا فخلص عمله من الرياء فكأنه قال أهل الإخلاص في العمل هذا شأنهم وهم الصادقون . قوله : ( وقال لي : من لم يسلك محجة الصادقين فهو كيفما ، كان في الدنيا مقيم ومما فيها آخذ أتته رسلي مخرجين ، وتلقته مرحلين مزعجين ، فسابق سبق له العفو فرأى في عيونهم آثار هيبة الإخراج ، ونظر في وجوههم آثار هيبة الإزعاج ، وآخر سبق له الحجاب فما هو من الخير ولا الخير خاتمة ما عنده ) . قلت : قد تقدم في شرح التنزل الذي قبل هذا أن الصادقين أعرضوا عن الدنيا ، وأما هؤلاء فسلكوا وقلوبهم في الدنيا فهم في الدنيا كما قيل إذا تذكرت دارا وهي نازحة فأنت بالذكر ممن حل في الدار . فإذن من لم يسلك محجة الصادقين فهو في الدنيا مقيم ولا يمكن الإقامة في الدنيا وهذا السالك لم يخرج بنفسه ، فالرسل إذن تأتيه مخرجة له وهؤلاء على نوعين نوع لم تكن الدنيا أكبر همهم ، بل كانت عندهم ميل مال لكنهم إلى الآخرة أميل فهؤلاء معفو عنهم وهو قوله : « فسابق سبق له العفو » . والنوع الآخر : قوم رضوا بالحياة الدنيا ، واطمأنوا بها فهؤلاء هم أهل النار نعوذ باللّه منها . فالطائفة الأولى ترى في أعين الرسل هيبة الإخراج وهيبة الإزعاج ، وأما الآخرون فليسوا من الخير أي ممن سبق لهم أن يكونوا من أهل الخير ، ولا الخير خاتمة ما عندهم أي وليسوا صائرين إلى الخير . ووجه ذكر هاتين الفرقتين في موقف الأعمال ما فيهما من نوعي الأعمال وهما العمل الصالح يشوبه من الرياء ما يشق الاحتراز منه وهذا هو عمل الطائفة الذين سبق لهم العفو .